الرئيسية / اجتماعيات / حكايتي مع الملائكة.. 8ـ انعتاق من الله حين ضعف…
حكايتي مع الملائكة.. 8ـ انعتاق من الله حين ضعف...
حكايتي مع الملائكة.. 8ـ انعتاق من الله حين ضعف...

حكايتي مع الملائكة.. 8ـ انعتاق من الله حين ضعف…

(1)
(انتظرت و انتظرت أن يمزّق رنين الهاتف المفاجئ سكون الغرفة، لينتشلني من ضجيج أفكارٍ و صخب أسئلةٍ تلهب عقلي وترغمني على الهذيان في قمة صحوتي بلا إجابات أمتلكها تخفف حرارة جبين أمنياتي.)

(2)
( لطالما كان التفكير بهذا اليوم هاجسي لاصطحابه لطبيبٍ عصبيٍ علّه يهديني سبيلاً للتعامل والتفاهم بلغتنا التي لا يمتلك منها سوى بضع كليمات مبعثرة الحروف لا تُفهم ولا تُغنِي عن تفسير ـ الرطن ـ )

(يبدو أنني فعلاً منهكة الجسد وبحاجة للمساعدة
هكذا شعرت
فالاعتناء بطفلٍ حديث الولادة لا يكفّ عن البكاء على مدار الساعة إلاّ لماماً رافضاً كل ما أعرفه من وسائل لإرضاعه وإسكاته، مكتفياً ببعض أعشابٍ و ماء،
وآخر لا يتوقف عن العبث بكل ما تطاوله يداه، يقفز ويتعرّق، يبكي بهستيريا ويعاود نطح رأسه بالحائط، ينزوي بالتلفاز والجوال في غرفته لا علاقة له بأحدٍ إلا إذا احتاج طعاماً والذي بات أكثر شراهةً به
كل ما سلف صعّب عليّ تحمله رغم مساعدة الجميع وقت تواجدهم .
على الجهة المقابلة للرنين
— مستعدون انتظركم خارجا)ً

(استغرب البارحة مني وقتما ناشدته اصطحابي للطبيب
لم يعتدْ مني طلباً مماثلاً ،
لطالما كنت أدبّر هكذا أمور وحدي دون إزعاجه بصحبة السائق،
ولم يكن يعلم دوماً بمرضهم لانشغاله بالعمل و سفره الدائم ،
لكن هذه المرة خائفة أنا ولو لم أبحْ ،
ترتجف أمومتي من حدسٍ تفقه كهن صدقه وتكابر أمام الناس
رقّت لي نظراته ..
لا ضيّر غاليتي هذان الشقيّان قضيّا عليك فاعترفي وضحك)

( صوت مكابح لطيفٍة أعادني إلى حيث وجهتنا ،
انتزعني من براثن خيال تطحن أضراسه اللحظة،
العيادة مكتظةً،
ارتعدت فرائصي من أولاد تبدو اضطراباتهم جليّةً
أراهم للمرة الأولى عن كثب.
ويامن يتجول بين الغرف يبحث عن لا شيء محرجاً أباه وأنا
مما اضطرنا لإخراجه للشارع ريثما يحين موعده.)

( حاولت التماسك ومراقبته يركل ويصرخ مسجوناً في حضن والده
على كرسي التخطيط الكهربائي وُضعت له قبعةٌ جلديةُ موصولةٌ إلى أسلاكٍ
ملونةٍ تنتهي بجهازٍ يصدر تكتكاتٍ تتلاشى شدتها أمام بكائه
ورفضه للوضع برمته .
خذه إلى السيارة سأتبعك)

(. حملت الرضيع وتبعت خطوات أنفاس الطبيب البطيئة لغرفته،
كانت قطعة من جنةٍ خضراءٍ نضرةٍ تعانقها شمسٌ خجولةٌ تسرّبت من شباكٍ بعيدٍ حيث جلس مترهل القوام فوق كرسيٍ يئن من ثقله.
لم يكن شكله يتماشى مع ما يحيط به من جمالٍ ورِقةٍ .
تتفصد أصابعي وجبهتي عرقاً مزعجاً ،
ليحتقن وجهي ليس من خجلٍ ،
كال لي استفسارات تلعثمت في إجاباتها كطفلة
قال لي: لديه نقص في أكسجين دماغه، وعلامات لفرط النشاط واضحة ،
فقدت كل أنفاسي، ارتخت جميع المفاصل، وبجهدٍ حثيث استطعت الارتماء على كرسيٍ مجاورٍ دون أن يقع الرضيع من ذراعيّ.
– يلزمه سنواتٌ من العمل والأدوية ,
— لا يهمٍ مستعدة،سأقوم بكل ما يتوجب.
هل سيشفى؟
بارتجافٍ وحرقةِ لهفةٍ ,
– لو أهملته سيكبر.
سيدخل على ابنة الجيران يعتدي عليها ولا يحاسبه قانونٌ ولا عُرف فلا إدراك لديه.

دوارٌ ونسيمٌ باردٌ سرى بي،
مقرفةٌ كانت رائحة السجادة الرطبة
يتناهى لي صراخ (يمان) والممرضة ولا اكترث،
لا أشتّم سوى رائحة الكحول )

( افتعلت إغماضا” واغضاضة
وكتمت أنيناً كي لا أحضر قداس نحيبه،
تتساقط له دموعا”ما ذرفها يوم مات والده الشيخ
ويكتم استنشاقه أنفه بظاهر كف،
الصغيران مثبتان إلى كرسيهما في المقعد الخلفي
يعتقدونها نزهة كالعادة.

بلا إدراك…بلا إدراك….بلا إدراك.
ويرتد الصدى وجعاً في دهاليز البصر،
لم تجرؤ الصغيرة على سؤالي،
اكتفت باحمرار عيناي والأنف،
مسارعة للاعتناء بأحبتها)

(تنبّه لخشيتي من محاولة الدّرج صعوداً ،
أشار بيده إلى الحمام الأرضيً ثيابك متسخة اغتسلي
لا علم لي كم من الوقت مضى عليّ أتأمل انعكاس صورتي على المرآة كمدفأةٍ منثورة الرماد، ملطخ بالمساحيق على غير عاداته الأنيقة،
كم هرمت في ساعات.
تلمست مقامط التجميل ما زالت تزعجني بقوة ضغطها على جسدي،
وما حاجتي للحياة…
صغيري بلا إدراك
وكأن يدي بصلابة صخر أخذت بها مقصاً يهذب به شاربه أحياناً من على أحد الرفوف،
أقصّ بلا مبالاةٍ ,
وأملأ الحوض من غواية شعر ،
أخفيت بهي لونه بالأسود وخرجت ).

(صدمتان في ذات اليوم كان سيداً في تقبلهما،
لنغدو فجأة كلنا أولاده،
يحنو..يطبطب..
ويتمتم بالدعاء …
لم أعهد ضعفاً مماثلاً ،
بكيت ما فاتني من سنوات،
يتعاقب عليّ هو و ابنه يعرضان صدرهما للحنان.
وبات السؤال المُلِحُّ…
لماذا أنا؟
ولم هو؟
وما ذنبه؟
وبما أذنبنا نحن؟
فلو كان…
لماذا من يدفع أقساط جهلنا هو؟)

(تقمصني إحساس بقلة الإيمان،
هجرت السجادة وقبلتها لإجحاف عطاء،
هجراً زاد قسوة قلباً، هجراً حصد باقي البياض،
وعلى منصة محكمة نفسٍ واظبت الحساب، .
هل بعض ترهات نميمةٍ تصاحب قهوة الصباح كان ذنبي؟ .
هل ظلمي لوالدته المسنّة أحيانا كان؟،
ربما ذكرتني في ظهر غيبها بدعوةٍ مستجابة .
أكان حبي المفتعل للظهور على الناس كان؟.
لا استحق هكذا عقاب…
وبمنتهى لوعةٍ لا تعرف الخنوع رفعت وجهي لجلاله
وخاطبته بحنق.. حزينةٌ أنا يا الله…
نهايتي قد لا تنتظر ملاك موتك)

.أم يامن …يتبع…

عائشة بريكات

من مواليد 1974م. قاصة.. شاعرة. دمشق – سوريا

شاهد أيضاً

الحلقة الثالثة من سلسلة: أنا وماما… ماكاينش المستحيل

الحلقة الثالثة من سلسلة: أنا وماما… ماكاينش المستحيل مع أم آدم السيدة عواطف رشيد في حلقات مرئية هادفة توعوية للأسر

اترك تعليقك

error: