الرئيسية / اجتماعيات / حكايتي مع الملائكة.. 7ـ صراخ الروح …

حكايتي مع الملائكة.. 7ـ صراخ الروح …

(1)
عندما انطلقت بنا السيارة على الطريق الترابيّ مثيرةً عاصفةً من الغبار، توارت وراءها معالم القرية، وكل تفاصيلها.. بيوتها.. أشجارها.. حتّى رائحة التراب المبّلل بماء النهر انتزعتُ منه شهقةً عميقةً قبل أن يتلاشى.
لم أتوقفْ عن توجيه التوصيات لابنتي منذ استيقاظها،
وما زالت تجلس بجانبي تهزُّ رأسها بابتسامتها الماكرة موافقةً رغم تكراري…
كأنها تقول لي: أنا أبرع منك!..
وقتما كان (يامن) في حضني أشدّه وأخوه معاً، عَلّ روحي تحظى ببعض دفء.
اختناقٌ يستولي على حنجرتي يترافق بارتجافٍ،
لم يكنْ مصدرهما الثلج المتساقط خارجاً منذ يومان بلا راحةٍ،
إنها صبيحة الميلاد،
كشبحٍ تخترق سيارتنا عريض شوارع المدينة، أشجار السرو المزيّنة ما زالت مضاءةً في الساحات، والهدوء يلفُّ العاصمة، فالأغلبية متعبون بعد ليلةٍ عامرةٍ بالسهرات.

(2)
أمام منزل عائلتي توقفنا، بدمعةٍ وتمتماتِ تنبيهاتٍ مستهلكةٍ انتزعته من روحي ليدٍ توازيني له عشقاً،
-انتبهٍ للجليد، وأخبرهم أن يعتنوا به جيداً .
نطقتها متوسلةً…
دقائق… ورأيتها تتأبط ذراعه، تتقدم نحونا حذرةً لتجلس على المقعد الأمامي مُلقيةً تحيتها الصباحية بتعبٍ:
– ما بك يا ابنتي؟.
كلهم يحبونه.
وما هي إلا بضع ساعات فتصبّري.
وتصبّرت بحارق الدمع….

(3)
كرسيٌ مدولبٌ على باب المستشفى الفخم كان بانتظاري، رفضته بحركةٍ من يدي،
وحثثت الخطى متجاوزةً مكتب الاستقبال إلى غرفةٍ أشار عليها الموظف، بدّلت ملابسي بزيّهم الزهري على عجالةٍ
فوق حافة السرير جلست لهنيهةٍ يلتهمني الحنين والتعب والشوق معاً. وأمضغ عقارب الساعة بنظراتي.

(4)
هدئيْ من روعك، وريدك يرفض أبرة المصل للمرة الثالثة.
– تقول ممرضةٌ شابةٌ بهيّة الطلعة،
رقّت لها ابتساماتي أو تحسبينني خائفةً ؟.
بدأ الطاقم الطبّي يدخل الغرفة الباردة تباعاً، من أصوات أجهزةٍ متعددةٍ موصولة بذراعيّ يحركون رؤوسهم.. الأمور بخير.
ضوءٌ ساطعً أشرق فوقي، ترافق مع اصطفافهم حول الطاولة المستطيلة بلباسهم وأقنعتهم الزرقاء،
ارتعشتُ لرؤية ثلاث مجموعاتٍ من الأدوات الطبية والمشارط، وبحرقة خدرٍ شلّت حركة أصابعي شعرت بعد حقنها في أنبوب المصل الملحيّ.
وما هي إلا ثوانٍ لم أتجاوز العدد سبعة عدّاً
كنت أحتجب خلف سحابةٍ زرقاءٍ نديةٍ بلا أحلام لساعتين ونصف.

(5)
أحسست بارتطامي بالسرير بصعوبةٍ أُجاهد للتعرف على من حولي..!.
أصواتهم تصلني وما زالوا خلف غشاوةٍ رماديةٍ تلفُّ صحوتي،
ابتسمت من ألمٍ لصوته الباكي بلا توقف
يتلقى تكبيراتٍ في أذنه أعلم نبرةً صاحبها.
بنصف عينٍ مغمضةٍ رأيته.
يا لجماله…….!
كمصباحٍ من نورٍ يفوق لُفافته بياضاً ونقاءً،
وعدت لأتابع نوماً متألماً تحشده آهاتٍ من ألم .

(6)
جراح التجميل وطبيبتي يدخلان معاً للاطمئنان بعد ساعاتٍ ما شعرت بمرورها،
يلقيان نظرةً فاحصةً على جرحٍ يمتد لنصف جسمي مغلفاً بالشاش واللاصق،
يتبادلان أحاديثاً جانبيةً مع الممرضة المناوبة والموجودين،
وغادروا مباركين.
.. كنت وقتها لا أحتاج لكلماتٍ،
كلّ ما بيّ يتساءل هل (يامن) بخير؟
وعلى الجهة المواربة للمكالمة سمعت صراخه،
صعد قلبي ونزل مراراً على سلم الأمومة الموسيقي حتى كاد يتعثر بنبضاته.
وهمست لأبيه: أحضروووووووه.

(7)
(يمان) يغفو في سريره الزجاجي بعدما أرّق مساء البناء بأسره، (وكما سيبقى دوماً يعبر عن وجوده بالبكاء)
و(يامن) يتوسّد ذراعي الملطّخ بالازرقاق،
يحمل هاتفي النقّال،
لم أشتكِ من صخب لعبته رغم صداعي،
أسكتني شعوري باسترجاعه، بحركةٍ لا إراديةٍ عرضت عليه ثديّ، كنت أتمنى أن أردّه ثانيةً، أن أرضعه هو أولا ً
رفضه بعصبيةٍ انقبض منها صدري، وأكمل حليب زجاجته، ما زلت أؤنب نفسي لفطامه المبكر.
على السرير الآخر والده يصارع وسادةً لا ترضيه أحلامها،
وعند أقدامي تغفو أخته بعدما سردت تفاصيل كرنفال زيارتهما، وكم كان مشاغبا ومشاكساً غريباً…!.
أعتقدهم تنفسوا الصعداء حين مغادرته.
كان يوماً شاقاً للجميع.
وليلةٍ قضيتها أعتني بالصغيرين وحدي بعد تجاهل الممرضات لزر نداءاتي.

(8)
صغيراي الجميلان.
لم يكونا صدفةً كانا قدري الحالم ،
وآلاف من الحكايات التي تنتظر أن تُروى .
الكبير سيبقى طفلا ًمهما كبر … الصغير خُلق رجلا ًقبل ولادته ليعتني به.
يمان يا ولدي..!.
ستقرأ روايتي لأخيك يوماً،
لا فرق وقتها تحت التراب أم فوقه أكون،
ما يهمني فعلا ًهو غفرانك لي…!.
فلم أكنْ تلك الأم المثاليّة لك،
لم تحظَ بكفايةٍ من حناني ورعايتي،
لم أفرح بكلمة .. ماما.. منك،
بكيت وقتها عدة ليالٍ كنت أنتظرها من سواك.
كم حضنت يامن وبكيت !.
وأنت تطالب بي وتجاهلتك،
كم عاقبتك بلا ذنب يستحق..!
وتجاوزت زلاّته
كم ألبستك قديمه وابتعت له الجديد
وكم…….. وكم……!!!!!.
تحيزّت للأضعف منكما،
والأكثر توهاً
رغم يقيني باجحاف ما أفعل
أنا أمك …..
فسامحني

.ام يامن
..يتبع….

عائشة بريكات

من مواليد 1974م. قاصة.. شاعرة. دمشق – سوريا

 

شاهد أيضاً

الحلقة الثالثة من سلسلة: أنا وماما… ماكاينش المستحيل

الحلقة الثالثة من سلسلة: أنا وماما… ماكاينش المستحيل مع أم آدم السيدة عواطف رشيد في حلقات مرئية هادفة توعوية للأسر

اترك تعليقك

error: