الرئيسية / اجتماعيات / حكايتي مع الملائكة.. 6ـ متى ستهدأ أيها النشيط ؟

حكايتي مع الملائكة.. 6ـ متى ستهدأ أيها النشيط ؟

 

(1)
بليدةٌ هذه الليلة، بمللٍ تمارس الوقت، لا تَعِدُ بصبحٍ قريبٍ
مهما حاولتْ استغاثاتي
و أنا…. يعتريني قلقٌ
بهواجسٍ تبالغ في تضخمها ليشتّد جلد بطنها بثلاثة أضعاف حجمه…
منتفخة الجسد والتفكير،
لا أنفكُّ أُعيد مقارناتي بين تصرفات (يامن) و أقرانه من المعارف.

(2)
لم أعهد أحداً منهم يقفز لساعاتٍ فوق السرير متعرقاً بلا تعبٍ،
يتناول طعامه فوق الملاءات،
يجمع في منتصف الغرفة الوسائد ضاحكاً يقفز عليها مستمتعاً بصوت الارتطام،
دائم الاستماع للأغنية عينها من هواتفنا النقّالة ،
يمسك بها رغم متابعته للتلفاز بصخبٍ مزدوجٍ..
حتى وقت نومه لابدّ أن تكون بجانبه تصدح و إلا استفاق يصرخ بهستيريا مزعجةٍ اشتكى منها الجيران مراراً.
كان يعشق اللعب بالماء بلا تراشق،
و يطفو سابحاً في مغطس الحمام، مرتجفاً بهلعٍ لو وضِع الصابون على رأسه ،
كمن يغرق تراه وقتما أصبُّ الماء على وجهه فيسارع لشهقةٍ كبيرةٍ تعيد الحياة للونه المُزرق خُيل له أنني انتزعتها منه.
كان يفترش أرض المَحال التجارية صارخاً باكياً ضاغطاً على مرافقه لإحراجه في شراء سيارةٍ اعتاد جلبها يومياً إلى المنزل،
إما متحطمةً في طريق العودة أو منزوعة الإطارات ليضعها مصطفّةً بنظامٍ منظمٍ مرتبٍ على حافة السرير.
إضافةً لمئات القطع من المكعبات الملونة مكومةً في زاوية الغرفة لا يسمح لي بتعبئتها في سلالها معترضاً ببكائه أو بضرب وجهه كما اعتاد.
و لأنشد بعض راحةٍ جافتني مؤخراً
كنت أطلب من إخوته وضعه في حضنهم على الحاسوب علّه يتوقف قليلاً عن القفز والركض ،
كان يتابع لعبهم ضاحكاً… إلى أن افتقدته ذات صباحٍ
ولم أجده بجانبي خرجت محاولةً الإسراع رغم صعوبة وضعي
لأجده واقفاً على كرسي الحاسوب يلعب بمهارةٍ تفوق إخوته، استندت إلى الجدار مذهولةً بقدرات ذو الثمانية عشر شهراً،
كيف شَغله؟
و كيف اجتاز البرامج للوصول للعبته؟
وقلت في نفسي هناك خطب ما
لكن يا ترى ما هو؟
شاورت من يكبرننّي تقول جدته أبوه يفوقه صخباً وقتما كان بعمره،
دعيه يتدلّل علينا،
فما زال صغيراً ….
أمي كانت تستحثّني دوماً لمشاورة طبيب ،
ربما ما كان يفعله في بيتها خلال زياراتي النادرة لها نبهها لما غفلت أنا عنه،
و لربما آخر أيام الحمل المزعجة قد ثبطت من همتي .رغم شعوري بغرابة وغموض ما يحدث!!!

(3)
لطالما كنت منزعجةً لتجاهله نداء اسمه إلاّ إن ترافق برضّاعته أو طعامه المفضل (وهو ضئيل الاختيارات، نخبوي الأصناف )
راكضاً يهرع ملبياً اهتزاز يدي متجاهلاً النظر في عيني مباشرةً، مردداً أصواته التي باتت تتشابك بلا توقف (الرّطن)
في مشاغباته ذكاءٌ لا يُنكر يقلّد حركاتنا، يسارع للحصول على ما مُنِع عنه من أشياء،
متلذذاً بإنهاكي وأخته في ترتيب فوضاه،حتى اشترى له والده مازحاً خفاً يُصدر زقزقةً حين المشي، الأمور بخير طالما نستمع لصوت خطواته، ونتبادل النظرات حين سكونه يا ترى دور مَن في إنقاذ التُحف منه؟
(والتي لم ينجُ منها إلا طويل الأعمار)

(4)
كلُّ ما كان هو بداية انزوائي به في المنزل هاربةً من نظرات الآخرين المتسائلة وعباراتهم المحرجة، خشية التصادم معهم في نقاش لا مفرّ منه (وأنا السليطة) رغم معرفتي جيداً بأنّ في حديثهم بعض صِحةٍ، إلا أنها غريزة الأمومة من لا تعترف بما يخص طفلها بسهولةٍ

(5)
نسماتٌ تسرّبت من شقِّ النافذة،
فارتعشت ليس من برد،
أعانقني في محاولةٍ لطمأنة ضجيج حدسٍ صاخبٍ
فتلك الدوامة تكاد تفتك باتزاني
لمن سأتركه غداً ؟
لا أثق بخدمته إلا بي،
كيف سأتجه للمشفى كي أعود بأخيه؟
من تراه سيحتمل هذا الـ (يامن)
أسئلةٌ تستجلب سحائب هطولي،
يلين لها قلب الليل،
يحثُّ أولى خطاه للمغادرة،
فيمزق قميص عتمته سامحاً للنور بمرورٍ،
يتعالى صوت كلام الله بخشوعٍ،
أهرع إلى الماء، أبرّد به سعير روحٍ مشتعلةٍ ،على كرسيٍ باتجاه القِبلة أجلس
أُكثر من صلاةٍ بلا سجود،
إلى الله أتذلل فرجاً قريباً يمنُّ به عليّ ويجبر خاطراً خذلته الأيام.

أم يامن

عائشة بريكات

من مواليد 1974م. قاصة.. شاعرة. دمشق – سوريا

شاهد أيضاً

الحلقة الثالثة من سلسلة: أنا وماما… ماكاينش المستحيل

الحلقة الثالثة من سلسلة: أنا وماما… ماكاينش المستحيل مع أم آدم السيدة عواطف رشيد في حلقات مرئية هادفة توعوية للأسر

اترك تعليقك

error: