الرئيسية / اجتماعيات / حكايتي مع الملائكة.. 5ـ فطامي الأكبر

حكايتي مع الملائكة.. 5ـ فطامي الأكبر

(1)

تخدّرت مفاصل الوقت ولم يشتكِ، مازال يهزُّ سرير النجوم لتغفو، والقمر كطفل مدلل يشاغب هنا وهناك ليؤخر موعد النوم، يحاول إيقاظ يمامةٍ حالمةٍ تؤنّبه بهدهداتها، تطاله بمرحٍ، تخبئه تحت جنحها لسويعات…

فيلملم الظلام بقاياه، يلتقي بالفجر عند بوابة الكون يصافحه ويمضي..
وقتها….
يُسارع النور لنسج سجادةٍ فضيةٍ تليق باستقبال يوم جديد، تتمايل ياسمينات الحديقة على لحن الحضور، ترقص عطراً يتنفسه الصبح وأنا..
…ما زلت صاحيةً…

لم يهتدِ النوم سبيلاً إلى وسادتي هذه الليلة، ربما تاه في أزقة التوجس والقلق.
وخزٌ مؤلمٌ يعتري صدري كلما استعدت تفاصيل حفلة البارحة
عيد مولده الأول.. لقاءٌ عائليٌ ضئيلٌ لعددٍ ممن يجاوروننا بالسكن من الأقارب، ومائدة لا تكلف بها كـ روحه..

(لم تكنْ يوماً البساطة إحدى طباعي، لـ ربما آثار الحمل الجديد وما صاحبها من غثيانٍ ووهنٍ قد تكفلا بـ طقوسٍ مشابهةٍ)

(2)

هرجٌ و مرجٌ يعُمّان المكان، يعيدا في نُسغ جدته المتيبّس حياةً جديدةً، تزهر بها ابتساماتها رضاً وسعادةً، وتجِدّ في قطاف لحظاتٍ شهيةٍ من شفاه حفيدةٍ لها زرعتها دفء حضنها الخصب،

مناغاة تلك الجميلة صفعت أمومتي بأصابع من صحوةٍ، كانت لا تشبه تلك الأصوات التي يصدرها (يامن) لتقليدنا وقت لعبنا معه ومناغاته..

كان يرفرف فرحاً كـ طائر سُمّن سقط من عشه وقتما يرّن للباب جرسٌ يعلم تماماً أن والده خلفه، ولكأنّ له مع الزمان سحر علاقةٍ، كلٌّ بميعادٍ.. نومه، صحوته، أوقات اغتساله، نزهته اليومية بسيارة والده، حتى موعد زجاجة حليبه تلك التي حلّت محل لبائي إثر فطامه المبكر الذي لم يعترض له كما يفعل عادةً أقرانه، بصمته ونظراته الغامضة تلقى نأيي له عن ثديّ، برضى أحزنني كمن كان ينتظرها حُجةً واهيةً لتجنّب إجباره النظر في عيني حين إرضاعه.

(3)

تزداد حفلتهم صخباً، يجعلون منها وسيلةً لإبهاج المُسِنّة، ولم يكن في وسعي الاعتراض، وأنا أراقبه ينزوي في غرفته، مختبئاً هارباً من عالي صراخهم، غير أبهٍ لجديد ما يرتديه، ولا لطاولةٍ متخمةٍ بالهدايا، حتى تلك الشمعة التي توسطت قالب حلواه أخافه وهجها.

يتشبّث بغطائه المخملي كعادته…. رغم حر حزيران، يذرع الزوايا علّه يجد ضالته من كسرٍ أو تمزيقٍ لكل ما تطاله يداه الكبيرتان.

(بنيته القوية منذ ولادته وما بعد.. جعلت منه طفلاً ضخماً بوزن تسع عشرة كيلو غراماً، يمشي منذ شهر، ويبتسم بكامل أسنانه ماعدا النابات)

(4)

كان دائم الإمساك بـ عصاً حمراءً كسرها ذات نوبة صراخٍ من لعبةٍ ولم تفارقه من يومها، يضرب بها كل ما يعترضه من أثاث وينصت مستكشفاً لتردد أصواتها، وكلما رصدته يحاول العبث بشيءٍ يهرب مني ضاحكاً باحثاً عما يعبث به مجدداً لاعتقاده بأني ألاحقه وألاعبه، لا يهدأ ولا يتعب وإن دلّ تعرّقه الغزيز على ذلك لا يهتم براحةٍ ولو مؤقتةٍ، مردداً أصواتاً لا ترابط في لحنها.

تعبتُ من هرولتي خلفه ببطني المنفوخ وقدميّ المتورمتين،

تمنيت أن يرد ذلك لي بـ نطق (ماما) لإسعادي ولـ إغاظة زوجي فلقد كرر له اسمه مراراً..

وكم كان ذكياً لمّاحاً وقتما راقبني عابساً وأنا أشكوه معترضةً على ضربه لـ رأسه بالحائط بلا سببٍ، رفض شكواي ورضّاعته من يدي معاً، تمسّك ببنطال أبيه يستحثّه بنظرة حزينةٍ على حمله لـ يقضي ليلته بقربه بعيداً عني.

تكوّم في حضنه وغفى كـ ملاك لا تقوى على نزع نظراتك من نوره، هانئاً تطيب له الأحلام تركني أعاني وحدي فطامه الأكبر…

(5)

دقات ساعة الصالة أعادتني إلى زمانها، أرتشف مرّ فنجاني البارد عنوةً مع تكتكاتها الستة، أراقب باباً، وأنتظر خطواتٍ سريعةٍ لابتسامةٍ أموت بها عشقاً.

…أم يامن
.يتبع في الأسبوع القادم إن شاء الله

عائشة بريكات

من مواليد 1974م. قاصة.. شاعرة. دمشق – سوريا

شاهد أيضاً

حكايتي مع الملائكة.. 6ـ متى ستهدأ أيها النشيط ؟

بليدةٌ هذه الليلة، بمللٍ تمارس الوقت، لا تَعِدُ بصبحٍ قريبٍ مهما حاولتْ استغاثاتي و أنا.... يعتريني قلقٌ

اترك تعليقك

error: