الرئيسية / اجتماعيات / حكايتي مع الملائكة.. 4ـ صخبٌ.. صخبٌ.. احتفالاتٌ على مدار الرّاحة
حكايتي مع الملائكة.. 4ـ صخبٌ.. صخبٌ.. احتفالاتٌ على مدار الرّاحة
التوحد، حكايتي مع الملائكة

حكايتي مع الملائكة.. 4ـ صخبٌ.. صخبٌ.. احتفالاتٌ على مدار الرّاحة

اقترب مني…
والعرَقُ يتصبّب من تقاسيم وجهه المتعب معتذراً عن تأخره ساعةً..
رقّت له ابتساماتي….
لا تهتم عزيزي وهمست في نفسي :
(لقد تأخرنا خمسة عشر عاماً حتى كاد الشيب يغزو ملامح قهوتنا)
ارتحْ قليلاً ريثما يجهز الغداء..
وعلى إرهاصات الأواني بات يصلني صخبٌ من الطابق العلوي،
وقع أقدامٍ أعرف أصحابها،
ضجيجٌ لذيذٌ يداعبني
ودفءٌ يملأ أرجاء المنزل،
حفلاتٌ تقام هنا يومياً كلما كان (يامن) مستيقظاً لا تتناسب مع تنقلنا على رؤوس الأصابع حين غفوته
وهم هناك..
ما زالوا يعتقدونه دميةً أبدع الله تكوين جمالها
ليمرحوا بها..
يبدّلون له ثياباً نظيفةً ليتمتّعوا بجاذبيته المبهمة
الكلّ يدور حول فَلَكِ العزيز الصغير … ألعابه.. حاجياته.. رضّاعاته الملوّنة لتتناسق مع أناقة ألوان غياراته .. دبابيس مصاصاته
طعامه.. وكل ما يخصّه ..
شغلهم الشاغل
—–
ثمانية أشهرٍ مضت منذ دخلت به تلك الممرضة الملطّخة
بالمساحيق غرفتي لأراه..
وأنا تائهة عنهم أحاول تمزيق ثوب حلمٍ أزرقٍ
لأتعرّف عمن حولي بتردّدٍ و عطش،
ابتلعت ريقاً مراً مؤلماً وضعت يداً على طرف السرير لأنهض ..
ــ قلت: أليس أنفه بشعاً؟
سيكون أجمل إخوته
ــ قالت أمي:
وهي تطالبني بنظراتها أن أصمت أمام عمته وأبيه
ــ يبدو كأنه في شهره الرابع..
كم وزنه…؟.
موجهةً سؤالي للممرضة عينها..
ضحكت…
(وأظهرت أسناناً مموّهةً بالاصفرار غير متناسقة … ستة كيلوات ونصف)..
تبسمت مؤكدة شعوراً في روحي….
كان صامتاً كما لم نعتد خدّيجٍاً قبله.!!!.
ــ ألم يبكي؟
نفت سؤالي وصاحبته بقرصةٍ لأسفل قدمه المكشوفة ..
بكى وملأ صوته المكان..

تأخرت صرخة ميلاده الأولى لساعاتٍ عن أقرانه
(كما سيتأخر عنهم دائماً في كل شيء)
كابرت .. وتجاهلت رغبةً بحمله، وأنا أراقبه يتنّقل بين أيديهم، يتفننون في تشبيه ملامحه لمن
بكيت بفرح وقتما صمت منصتاً لآذانٍ سكبه أبوه في أذنه بتمهلٍ
مددت يدا مزرّقة متألمة أطالب بحقي به..
عانقته وشددته إلى جناحي وعاودت تحليقاً لذيذاً
نسيت من حولي.. لم تعدْ تصلني أحاديثهم المصطنعة،
تماديت في توحدي به،
…. كان إحساساً يستحق السجود
لم أصدق أنه غادر رحمي لبرهةٍ،
كنت أغدق عليه قُبل النظرات دون كللٍ
وحينما فاض له لباءٌ خصّه الله به دون إخوته
همست … يا الله ما أكرمك!!
ومضت الأيام متسارعة الخطى بسعادة
كنت أغرقه بحناني حدّ استجلاب غيرة إخوته رغم عشقهم له،
كنت من جهلي أضع أصابعه على شفاهي لأسمعه حروف اسمي،
كم كنت أتمنى وأنتظر أن تكون (ماما) لفظته الأولى …!.
كنت أراقب مناغاته،
وأضحك حين رضاعته وقتما يتجاهلني بنظراته الباردة متلهيّاً يعبث بخصلةٍ من شعري تناثرت فوق وجهه الملائكي،
كانت سرعة نموّه تتماشى مع طبعي العجول،
تمنياتي أن يكبر بسرعةٍ لأسمع صوته هي دعاء يتكرر في كل صلاة،
وكم كنت أستغرب عدم اهتمامه بالالتفات إليّ حين أناديه وهو يضاحك أطفال يغنون ويرقصون على شاشة تلفازٍ اعتاد المكوث أمامه لساعاتٍ
كنت أراقبه حين يعانق بكفيه وركبتيه الأرض حابياً إلى صندوق مناديلٍ ورقيةٍ ليتفنّن في تمزيقها،
وحين منعه يهوي بكل ضخامة جسمه إلى الحائط يضرب رأسه ويصرخ بهستيريا تكبّل صبري، وتُفحِمُ أمومتي
ولا تشبه بكاء اعتدته من إخوته،
كنت أقول حينها: أفسده دلالنا، وبات يتحكم بنا كما يتشّهى،
ولو شكوته لأبيه يبتسم بحبٍ كبيرٍ ويبارك له ما يفعل بنا من شقاوات،
ــ دعيه..دعيه..
سيتعلم حين يكبر كما سابقاه.

——-
وفي لحظة مباغتة الألم
كلدغة عقربٍ سامةٍ انتشلتني من نافذة ذكرياتٍ نديةٍ
وأعادتني إلى أصبع احترق بنار الموقد دون انتباه،
سارعت إلى ماء باردة، أخفف من لهيب واحتراق
استندت إلى حوض غسل الأطباق،
غثيانٌ ودوارٌ ونفورٌ من رائحة الطعام،
… وابتسامةٌ أخرى غمرت روحي، والكثير من أفكارٍ ومشاعرٍ مبهمةُ التأويل قلت في نفسي :يااااااااااااال لرجال.!.
ليس مجدداً

..أم يامن
..يتبع… الأسبوع القادم إن شاء الرحمن

عائشة بريكات

من مواليد 1974م. قاصة.. شاعرة. دمشق – سوريا

شاهد أيضاً

حكايتي مع الملائكة.. 6ـ متى ستهدأ أيها النشيط ؟

بليدةٌ هذه الليلة، بمللٍ تمارس الوقت، لا تَعِدُ بصبحٍ قريبٍ مهما حاولتْ استغاثاتي و أنا.... يعتريني قلقٌ

اترك تعليقك

error: